سلطانة

سلطانة

يشمل كل اهتمامات
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
المواضيع الأخيرة
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم

شاطر | 
 

 أتار المعاصي من كتاب الجواب الكافي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
زهرة الوفى
عضو مميز
عضو مميز
avatar

انثى الدلو الفأر
عدد المساهمات : 291
تاريخ التسجيل : 01/03/2010
العمر : 34
العمل/الترفيه : أستادة في المتوسط
المزاج : هادئة

مُساهمةموضوع: أتار المعاصي من كتاب الجواب الكافي   الإثنين 05 أبريل 2010, 20:52

آثــار المعاصي



جاء في كتاب (( الجواب الكافي )) لابن القيم الجوزية رحمه اللَّه ما مختصره :

وللمعاصي من الآثار القبـيحة المذمومة ، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا اللَّه .



1- فمنهـــا : حرمان العـلم ، فإن العلم نور يقذفه اللَّه في القلب ، والمعصية تطفئ ذلك النور ،

ولما جلس الإمام الشافعي بـين يدي الإمام مالك ، وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته ، وتوقد ذكائه ، وكمال فهمه ، فقال : إني أرى اللَّه قد ألقى على قلبك نورًا ، فلا تطفئه بظلمة المعصية ، وقال الشافعي :

شكوت إلى وكـيــع ســــوء حفظي
وقـال : اعلم بـأن العــــلم فـــضل
فـــأرشدني إلى تـــــرك المعــاصي
وفضـل اللَّــه لا يـؤتـــاه عـاصـــي




2- ومنهـــا : وحشة يجدها العاصي في قلبه بـينه و بـين اللَّه

لا يوازنها ولا يقارنها لذة أصلاً ، ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة ، وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه حياة ، وما لجرح بميت إيلام ، فلو لم يكن ترك الذنوب إلا حذرًا من وقوع تلك الوحشة ، لكان العاقل حريًّا بتركها ، وشكا رجل إلى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه ، فقال له : إذا كنت قد أوحشتك الذنوب ، فدعها إذا شئت واستأنس .

وليس على القلب أمرّ من وحشة الذنب على الذنب ، فاللَّه المستعان .



3- ومنهــا: الوحشة التي تحصل بـينه وبـين الناس ، ولا سيما أهل الخير منهم ، فإنه يجد وحشة بـينه وبـينهم ، وكلما قويت تلك الوحشة بَعُـدَ منهم ومن مجالستهم ، وحرم بركة الانتفاع بهم ، وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن ، وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقع بـينه وبـين امرأته وولده وأقاربه وبـينه وبـين نفسه ، فتراه مستوحشًا من نفسه .

وقال بعض السلف : إني لأعصي اللَّه فأرى ذلك في خـُـلـُق دابتي وامرأتي .



4- ومنهــا : تعسير أموره ، فلا يتوجه إلى أمر إلا ويجده مغلقًا دونه ، أو متعسرًا عليه ، وهذا كما أن من اتقى اللَّه جعل له من أمره يسرًا ، فمن عطل التقوى جعل اللَّه له من أمره عسرًا ،

ويا للعجب ؟ كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه متعسرة عليه ، وهو لا يعلم من أين أُتي ؟



5- ومنهــا : ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا ادلهمّ ، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره ، فإن الطاعة نور ، والمعصية ظلمة ، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته ، حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر ، كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده ، وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين ، ثم تقوى حتى تعلو الوجه ، وتصير سوادًا حتى يراه كل أحد .



6- ومنهــا : أن المعاصي توهن القلب و البدن :

أما وهنها للقلب : فأمر ظاهر ، بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية .

وأما وهنها للبدن : فإن المؤمن قوته من قلبه ، وكلما قوي قلبه قوي بدنه ، وأما الفاجر فإنه - وإن كان قوي البدن - فهو أضعف شيء عند الحاجة ، فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه ، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها ، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم ؟



7- ومنهــا : حرمان الطاعة : فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أنه يصد عن طاعة تكون بدله ، ويقطع طريق طاعة أخرى فينقطع عليه طريق ثالثة ، ثم رابعة وهلم جرا ،

فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة ، كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها ، وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات أطيـب منها ، واللَّه المستعان .



8- أن المعاصي تقصر العمر ، وتمحق بركته ولا بد ، فإن البر كما يزيد في العمر فالفجور ينقصه ، وسر المسألة : أن عمر الإنسان مدة حياته ، ولا حياة له إلا بإقباله على ربه ، والتنعم بحبه وذكره ، وإيثار مرضاته .



9- ومنهــا : أن المعاصي تزرع أمثالها ، ويولد بعضُها بعضًا ، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها ،

كما قال بعض السلف * إن من عقوبة السيئة : السيئة بعدها ،

* إن من ثواب الحسنة : الحسنة بعدها .



10- ومنهـا : وهو من أخوفها على العبد ، أنها تضعف القلب عن إرادته

فتقوى فيه إرادة المعصية ، وتضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا ، إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية ، فلو مات نصفه لما تاب إلى اللَّه ،

فيأتي بالاستغفار وتوبة الكاذبـين باللسان بشيء كثير ، وقلبه معقود بالمعصية مصرّ عليها ، عازم على مواقعتها متى أمكنه ، وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك .



11- ومنهــا : أنه ينسلخ من القلب استقباحها ، فتصير له عادة ، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ، ولا كلامهم فيه ، وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التفكه وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية ، ويحدث بها من لم يكن يعلم أنه عملها ، فيقول : يا فلان ، عملت كذا وكذا ، وهذا الضرب من الناس لا يُعافون ، وتسد عليهم طريق التوبة ، وتغلق عنهم أبوابها في الغالب ،

كما قال النبـي صلى الله عليه وسلم : (( كل أمتي معافى إلا المجاهرون ، وإن من الإجهار : أن يستر اللَّه على العبد ، ثم يصبح يفضح نفسه ، ويقول : يا فلان ، عملت يوم كذا كذا وكذا فيهتك نفسه ، وقد بات يستره ربه )) .



12- ومنهــا : أن كل معصية من المعاصي هي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها اللَّه عز وجل ،

فاللوطية : ميراث عن قوم لوط ، وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص : ميراث عن قوم شعيـب ،

والعلو في الأرض والفساد : ميراث عن فرعون وقوم فرعون ، والتكبر والتجبر : ميراث عن قوم هود ، فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم وهم أعداء اللَّه .

وقد روى عبد اللَّه بن أحمد في كتاب (( الزهد )) لأبـيه عن مالك بن دينار

قال : أوحى اللَّه إلى نبـي من أنبـياء بني إسرائيل أن قل لقومك : لا تدخلوا مداخل أعدائي ، ولا تلبسوا ملابس أعدائي ، ولا تركبوا مراكب أعدائي ، ولا تطعموا مطاعم أعدائي ، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي .



13- ومنهــا : أن المعصية سبـب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه .

قال الحسن البصري : هانوا عليه فعصوه ، ولو عزُّوا عليه لعصمهم ،

وإذا هان العبد على اللَّه لم يكرمه أحد ، كما قال تعالى :[ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ] [ الحج : 18 ] ،

وإن عظمهم الناس في الظاهر ( لحاجتهم إليهم أو خوفًا من شرهم ) ،

فهم في قلوبهم أحقــر شيء وأهونه .



14- ومنهــا : أن العبد لا يزال يرتكب الذنوب حتى تهون عليه وتصغر في قلبه ، وذلك علامة الهلاك ، فإن الذنب كلما

صغــر في عين العبد ،

عظـم عند اللَّه تعالى ،

وقد ذكر البخاري في (( صحيحه )) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال :

(( إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه ،

وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار )) .



15- ومنهــا : أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه ، فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم .

قال أبو هريرة : إن الحبارى ( طائر أكبر من الدجاج الأهلي) لتموت في وكرها من ظلم الظالم .

وقال مجاهد : إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السَّنَةُ وأمسك المطر ، وتقول : هذا بشؤم معصية ابن آدم .

وقال عكرمة : دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون : منعنا القطر بذنوب بني آدم .

فلا يكفيه عقاب ذنبه حتى يـبوء بلعنة من لا ذنب له .



16- ومنها : أن المعصية تورث الذل ولا بد ،

فإن العز كل العز في طاعة اللَّه تعالى ،

قال تعالى : [ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ] [ فاطر : 10 ] ،

أي : فليطلبها بطاعة اللَّه فإنه لا يجدها إلا في طاعة اللَّه ،

وكان من دعاء بعض السلف : اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك .



17- ومنها : أن المعاصي تفسد العقل ،

فإن للعقل نورًا ، والمعصية تطفئ نور العقل ولا بد ، وإذا أطفئ نوره ضعف ونقص .

وقال بعض السلف : ما عصى اللَّهَ أحدٌ حتى يغيـب عقله ، فإنه لو حضره عقله لحجزه عن المعصية وهو في قبضة الرب تعالى ، وتحت قهره ، وهو مطلع عليه ، وفي داره على بساطه ، وملائكته شهود عليه ناظرون إليه وواعظ القرآن ينهاه ، وواعظ الإيمان ينهاه ، وواعظ النار ينهاه ، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها ،

فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم ؟!



18- ومنها : أن الذنوب إذا تكاثرت طُبِعَ على قلب صاحبها ، فكان من الغافلين ،

كما قال بعض السلف

في قوله تعالى : [ كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ] [ المطففين : 14] ،

قال : هو الذنب بعد الذنب .



19- ومنها : أن الذنوب تُدْخِلُ العبد تحت لعنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم .



20- ومنها : حرمان دعوة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ودعوة الملائكة ، فإن اللَّه سبحانه أمر نبـيه بأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ،

وقال تعالى : [ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)‏ ‏رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (Cool وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ] [ غافر : 7- 9 ] .



21- ومنها : أنها تحدث في الأرض أنواعًا من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن ،

قال تعالى : [ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ] [ الروم : 41 ] .



22- ومن عقوباتها أنها تطفئ من القلب نار الغيرة ...

والمقصود : أنه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على (نفسه وأهله وعموم الناس) ، وقد تضعف في القلب جدًّا ، حتى لا يستقبح بعد ذلك القبـيح لا من نفسه ولا من غيره ، وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك ، وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح ، بل يحسن الفواحش والظلم لغيره ويزينه له ، ويدعوه إليه ويحثه عليه ، ويسعى له في تحصيله ، ولهذا كان الدَّيُوث أخبث خلق اللَّه ، والجنة عليه حرام ، وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره ومزينه لغيره ، فانظر ما الذي حملت عليه قلة الغيرة . وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له ، فلا دين له .



23- ومن عقوباتها : ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب ، وهو أصل كل خير ، وذهابه ذهاب كل خير بأجمعه ، وفي (( الصحيحين )) عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( الحياء خير كله )) .

وقال : (( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم يستح فاصنع ما شئت )) . رواه البخاري .

والمقصود : أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية ، حتى ربما أنه لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه ، بل كثير منهم يخبر هو عن حاله وقبح ما يفعله ، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء ، وإذا وصل العبد إلى هذه الحالة لم يـبق في صلاحه مطمع .



24- ومن عقوباتها : أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جلَّ جلاله ، وتضعف وقاره في قلب العبد ولا بد ، شاء أم أبى ، ولو تمكن وقار اللَّه وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه . ومن بعض عقوبة هذا : أنه يرفع اللَّه عز وجل مهابته من قلوب الخلق ، فيهون عليهم ، ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به ، فعلى قدر محبة العبد للَّه يحبه الناس ، وعلى قدر خوفه من اللَّه يخافه الناس ، وعلى قدر تعظيمه للَّه وحرماته يعظم الناس حرماته ، وكيف ينتهك عبد حرمات اللَّه ، ويطمع ألا ينتهك الناس حرماته ؟ أم كيف يهون عليه حق اللَّه ولا يهونه اللَّه على الناس ؟ أو كيف يستخف بمعاصي اللَّه ولا يستخف به الخلق ؟



25- ومن عقوباتها : أنها تستدعي نسيان اللَّه لعبده ، وتركه ، وتخليته بـينه وبـين نفسه وشيطانه ، وهنالك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة ، قال اللَّه تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ @ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ] [ الحشر : 18، 19 ] ،

فأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه ، أي أنساه مصالحها ، وما ينجيه من عذابه ، وما يوجب له الحياة الأبدية .

فاللَّه سبحانه وتعالى يعوض عن كل شيء سواه ولا يعوض منه شيء ، ويغني عن كل شيء ، ولا يغني عنه شيء ، ويمنع من كل شيء ، ولا يمنع منه شيء ، ، ويجير من كل شيء ولا يجير منه شيء ، وكيف يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين ؟ وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه . فيخسرها ويظلمها أعظم ظلم ، فما ظلم العبد ربه ولكن ظلم نفسه ، وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه .



26- ومن عقوباتها : أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه من ثواب المحسنين ..

والمقصود : أن الإيمان سبـب جالب لكل خير ، وكل خير في الدنيا والآخرة فسبـبه الإيمان ، فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئًا يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بـينه وبـينه ، ولكن لا يخرج من دائرة عموم المسلمين ، فإن استمر على الذنوب وأصر عليها خيف عليه أن يرين على قلبه ، فيخرجه عن الإسلام بالكلية ، ومن هنا اشتد خوف السلف ، كما قال بعضهم : أنتم تخافون الذنوب وأنا أخاف الكفر .



27- ومن عقوباتها : أنها تضعف سير القلب إلى اللَّه والدار الآخرة ، وتعوقه وتوقفه وتعطفه عن السير ، فلا تدعه يخطو إلى اللَّه خطوة ، هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه .

فالذنب إما أن يميت القلب ، أو يمرضه مرضًا مخوفًا ، أو يضعف قوته ولا بد ، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ النبـي صلى الله عليه وسلم منها وهي : (( الهم ، والحزن ، والعجز ، والكسل ، والجبن ، والبخل ، وضلع الدين ، وغلبة الرجال )) .

والمقصود : أن الذنوب هي أقوى الأشياء الجالبة لهذه الثمانية ، كما أنها من أقوى الأسباب الجالبة (( لجهد البلاء ، ودرك الشقاء ، وسوء القضاء ، وشماتة الأعداء )) ، ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم اللَّه تعالى وتقدس ، وتحول عافيته إلى نقمته وتجلب جميع سخطه .



28- ومن عقوبات الذنوب : أنها تزيل النعم وتحل النقم ، فما زالت عن العبد نعمة إلا بسبـب ذنب ، كما قال علي بن أبـي طالب رضي اللَّه عنه : (( ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا رفع بلاء إلا بتوبة )) . وقد قال تعالى : [ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] [ الشورى : 30 ] .



29- ومن عقوباتها : ما يلقيه (( اللَّه )) سبحانه وتعالى من الرعب والخوف في قلب العاصي ، فلا تراه إلا خائفًا مرعوبًا ، فإن الطاعة حصن اللَّه الأعظم ، الذي مَن دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة ، ومَن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب .



30- ومن عقوباتها : أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب ، فيجد المذنب نفسه مستوحشًا ، وقد وقعت الوحشة بـينه وبـين ربه ، وبـينه وبـين الخلق ، وبـينه وبـين نفسه ، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة ، وأمرُّ العيش عيش المستوحشين الخائفين ، وأطيـب العيش عيش المستأنسين .



31- ومن عقوباتها : أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه ، فلا يزال مريضًا معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه ، فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان .



32- ومن عقوباتها : أنها تعمي بصر القلب ، وتطمس نوره ، وتسد طرق العلم ، وتحجب مواد الهداية .



33- ومن عقوباتها : أنها تصغر النفس ، وتقمعها وتدسيها وتحقرها حتى تصير أصغر من كل شيء وأحقره ، كما أن الطاعة تنميها وتزكيها وتكبرها . قال تعالى :[ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا @ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ] [ الشمس : 9، 10 ] والمعنى : قد أفلح من أعلاها وكبرها بطاعة اللَّه وأظهرها ، وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية اللَّه .



34- ومن عقوباتها : أن العاصي دائمًا في أسر شيطانه ، وسجن شهواته ، وقيود هواه ، فهو أسير مسجون مقيد ، ولا أسير أسوأ حالاً من أسير أسره أعدى عدو له ، ولا سجن أضيق من سجن الهوى ، ولا قيد أصعب من قيد الشهوة ، فكيف يسير إلى اللَّه والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد ؟ وكيف يخطو خطوة واحدة ؟ وإذا تقيد القلب طرقته الآفات من كل جانب بحسب قيوده ، ومثل القلب مثل الطائر ، كلما علا بعد عن الآفات ، وكلما نزل استوحشته .

وأصل هذا كله : أن القلب كلما كان أبعد من اللَّه كانت الآفات إليه أسرع ، وكلما كان أقرب إلى اللَّه بعدت عنه الآفات ، والبعد من اللَّه مراتب ، بعضها أشد من بعض ، فالغفلة تبعد العبد عن اللَّه ، وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة ، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية ، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله .



35- ومن عقوباتها : سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند اللَّه وعند خلقه .



36- ومن عقوباتها : أنها تسلب صاحبها أسماء المدح والشرف ، وتكسوه أسماء الذم والصغار ، فتسلبه اسم المؤمن والبر والمحسن والتقي والمطيع والمنيـب والولي والورع والمصلح والعابد والخائف والأوَّاب والطيـب والمرضى ونحوها ، وتكسوه اسم الفاجر والعاصي والمخالف والمسيئ والمفسد والخبـيث والمسخوط والزاني والسارق والقاتل والكاذب والخائن واللوطي والغادر وقاطع الرحم وأمثالها ، فهذه أسماء الفسوق و[ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ] [ الحجرات : 11 ] التي توجب غضب الديان ، ودخول النيران ، وعيش الخزي والهوان ، وتلك أسماء توجب رضاء الرحمن ، ودخول الجنان ، وتوجب شرف المسمى بها على سائر أنواع الإنسان .



37- ومن عقوباتها : أنها تؤثر بالخاصة في نقصان العقل ، فلا تجد عاقلين أحدهما مطيع للَّه والآخر عاص إلا وعقل المطيع منهما أوفر وأكمل ، وفكره أصح ، ورأيه أسدّ ، والصواب قرينه ، ولهذا تجد خطاب القرآن إنما هو مع أولي الألباب والعقول ، كقوله : [ وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ] [ البقرة : 197 ] .



38- ومن عقوباتها : أن تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مهيَّأ لأن يكون من العلية ، فإن اللَّه خلق خلقه قسمين : علية ، وسفلة ، وجعل عليـين مستقر العلية ، وأسفل سافلين مستقر السفلة ، وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة ، وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة .



39- ومن عقوباتها : أنها تجرئ على العبد ما لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات ،

فتجرئُ عليه الشياطين [ الإنس والجن ] وتجرئ عليه أهله وخدمه وأولاده وجيرانه حتى الحيوان البهيم .



40- ومن عقوباتها : أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه ...

والمقصود : أن العبد العاصي إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له ، فلا ينجذب قلبه للتوكل على اللَّه تعالى والإنابة إليه ، والحمية عليه ، والتضرع والتذلل والانكسار بـين يديه ، ولا يطاوعه لسانه لذكره ، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بـين قلبه ولسانه ، فلا ينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر فيه الذكر ، ولا ينحبس اللسان والقلب على المذكور ، بل إن ذكر أو دعا بقلب غافل لاه ساه ، ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له ، ولم تطاوعه ، وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي ، كما له جند يدفع عنه الأعداء ، فأهمل جنده وضيعهم وأضعفهم ، وقطع أقواتهم ، ثم أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم في الدفع عنه بغير قوة .

هذا ، وثَمَّ أمر أخوف من ذلك وأدهى وأمر ، وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى اللَّه تعالى ، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة ، كما شاهد الناس كثيرًا من المحتضرين من أصابهم ذلك ، حتى قيل لبعضهم : قل (( لا إله إلا اللَّه )) ، فقال : شاه ورخ غلبك ثم قضى ( شاه ورخ قطعتان من قطع الشطرنج . والمحتضر يذكرهما لأنهما أخذا عليه لبه وعقله من كثرة اللعب) .



41- ومن عقوباتها : أنها مدد من الإنسان يمد به عدوه ابليس لعنه الله عليه ، وجيش يقويه به على حربه . ( أي أن الذنوب والمعاصي سلاح ومدد يمد بها العبد أعداءه ، ويعينهم بها على نفسه ، فيقاتلونه بسلاحه ، والجاهل يكون معهم على نفسه ، وهذا غاية الجهل والسفه )



42- ومن عقوباتها : أنها تنسي العبد نفسه ، فإذا نسي نفسه أهملها وأفسدها وأهلكها ، فإن قيل : كيف ينسى العبد نفسه ؟ وإذا نسي نفسه ، فأي شيء يذكر ؟ وما معنى نسيانه نفسه ؟

قيل : نعم ينسى نفسه أعظم نسيان ، قال تعالى : [ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [ [ الحشر : 19 ] ، فلما نسوا ربهم سبحانه نسيهم وأنساهم أنفسهم ، كما قال تعالى :[ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ] [ التوبة : 67 ] ،



فعاقب سبحانه من نسيه عقوبتين :

إحداهما : أنه سبحانه نسيه والثانية : أنه أنساه نفسه .

ونسيانه سبحانه للعبد

إهماله وتركه وتخليه عنه وإضاعته ، فالهلاك أدنى إليه من اليد إلى الفم .

وأما إنساؤه نفسه

فهو إنساؤه لحظوظها العالية ، وأسباب سعادتها وفلاحها وإصلاحها وما يكملها ، ينسيه ذلك جميعه ، فلا يخطره بـباله ، ولا يجعله على ذكره ، ولا يصرف إليه همته فيرغب فيه ، فإنه لا يمر بـباله حتى يقصده ويؤثره . وأيضًا ينسيه عيوب نفسه ونقصها وآفاتها ، فلا يخطر بـباله إزالتها وإصلاحها .



43- ومنها : المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ والعذاب في الآخرة ،

قال تعالى :[ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ] [ طه : 124 ] ، وقد فسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر ، ولا ريـب أنه من المعيشة الضنك ، والآيات تتناول ما هو أعم منه ، وإن كانت نكرة في سياق الإثبات ، فإن عمومها من حيث المعنى ،

فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره ، فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب

إعراضه ، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم ، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب

والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه ، وإنما تتوارى عند سكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة ، إن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر ، فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر ، فإنه يفيق صاحبه ويصحو ،

وسكر الهوى وحب الدنيا لا يصحو صاحبه إلا إذا سكر في الأموات ،

فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر اللَّه الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم

في دنياه ، وفي البرزخ ، ويوم معاده ،

ولا تقر العين ولا يهدأ القلب ، ولا تطمئن النفس إلا بإلاهها ومعبودها الذي هو حق ،

وكل معبود سواه باطل ،

فمن قرت عينه باللَّه قرت به كل عين ،

ومن لم تقر عينه باللَّه تقطعت نفسه على الدنيا حسرات .



إلى أن قال رحمه اللَّه تعالى في نهاية الكلام عن آثار المعاصي :

فانظر إلى الآخرة كأنها رأي العين ، وتأمل حكمة اللَّه سبحانه في الدارين ،

تعلم حينئذ علمًا يقينًا لا شك فيه ، أن الدنيا مزرعة الآخرة وعنوانها وأنموذجها ،

وأن منازل الناس فيها من السعادة والشقاوة على حسب منازلهم في هذه الدار من الإيمان والعمل الصالح وضدها ،

فمن أعظم الذنوب الخروج عن الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة ، وباللَّه التوفيق . انتهى كلام ابن القيم رحمه

اللَّه تعالى ، وأحيطك علمًا بأن تلك النقاط السابقة مجرد عناوين وقليل من الشرح لما في كتاب (( الجواب

الكافي )) ، هذا الكتاب القيم لابن القيم الجوزية .









مقتبس من كتاب ففـــروا إلى الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
gigi_sol
المدير العام
المدير العام
avatar

انثى القوس الخنزير
عدد المساهمات : 531
تاريخ التسجيل : 01/02/2010
العمر : 34

مُساهمةموضوع: رد: أتار المعاصي من كتاب الجواب الكافي   الأحد 11 أبريل 2010, 20:09

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
أتار المعاصي من كتاب الجواب الكافي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
سلطانة :: منتدى الديانات :: الكتب والبرامج الاسلامية-
انتقل الى: